نسيم جنوب شرق آسيا يصل إلى شنغهاي، وجذوة الثقافة تتوارث عبر الأجيال: رحلتي الأكاديمية في جامعة دونغهوا
Feb 4, 2026
ليو تشي وين (ماليزيا)
طالبة دكتوراه في تخصص التصميم
الحائزة على الجائزة الأولى لجائزة الطلاب الدوليين المتميزين بجامعة دونغهوا لعام 2025
من النسيم الدافئ قرب خط الاستواء في ماليزيا، إلى ظلال أشجار الدلب المتشابكة على ضفاف نهر هوانغبو في شنغهاي، قطعتُ طريقًا أكاديميًا عابرًا للبحار والجبال، ليبلغ في جامعة دونغهوا محطةً مهمة من التلاقي والتعمّق. كان اختياري لجامعة دونغهوا نابعًا، من جهة، من انجذابي إلى الروح المنفتحة والمتسامحة لمدينة شنغهاي بوصفها مدينة عالمية، ومن جهة أخرى، من التراكم الأكاديمي العميق الذي تتمتع به الجامعة في مجال الابتكار التصميمي، وهو ما لامس بعمق طموحي الأكاديمي الداخلي. وكانت هذه الرابطة تحديدًا هي الجسر الذي وصل بين نشأتي الثقافية في نانيانغ ورغبتي في استكشاف التراث الثقافي الصيني. في الحرم الجامعي، يتجاور الصوت الدقيق لتشغيل الأجهزة الذكية في المختبرات مع أجواء القراءة الهادئة والمركّزة في المكتبة، ليشكّلا معًا المشهد اليومي الحقيقي لحياتي الأكاديمية. وفي هذا الفضاء التعليمي الذي تتداخل فيه التقاليد والحداثة بعمق، استطعت أن أكرّس جهدي لدراسة العلاقة الجوهرية بين صون التراث الثقافي والتصميم الابتكاري، وأبدأ رحلة علمية تجمع بين العمق الإنساني والدفء المعرفي.
01: تحديد الجوهر
استكشاف معاصر للابتكار في الحِرف التقليدية

يركّز بحثي بشكل مستمر على إحياء الحِرف التقليدية في سياقات ثقافية متعددة ضمن إطار معاصر. وينبع هذا الموضوع من ذكرياتي في مرحلة النمو المرتبطة بحِرف المجموعات العرقية المتنوعة في ماليزيا، كما يحمل في طياته رغبتي في استكشاف سبل صون الحِرف الصينية التقليدية. وتحت إشراف أساتذتي، اكتسبت بشكل منهجي مهارات توظيف التقنيات الرقمية في مجال التراث الثقافي، وشاركت بعمق في عدد من المشاريع البحثية المتعلقة بتحوّل الحِرف التقليدية، بدءًا من الاستخلاص الرقمي للنقوش التقليدية لمجتمع بيراناكان الصيني في جنوب شرق آسيا وأقمشة الباتيك الماليزية، وصولًا إلى الممارسات التصميمية المبتكرة في التطريز الصيني وفن قصّ الورق. وقد أدركت من خلال هذه التجارب أن الصون لا يعني الاستنساخ، بل التحويل الإبداعي القائم على جوهر الثقافة. وحين تُعاد صياغة الزخارف العريقة بلغة معاصرة تلائم الحياة الحديثة، يزداد اقتناعي بقيمة هذا المسار البحثي.


كما أضفى المناخ الأكاديمي الدولي في جامعة دونغهوا أبعادًا متعددة على أبحاثي. فقد تبادلت النقاشات المعمّقة مع باحثين من مختلف دول العالم حول قضايا مثل «التعبير الدولي عن الحِرف التقليدية» و"دمج التكنولوجيا الرقمية مع التراث الثقافي"، وتشاركت معهم في الحياة اليومية تجارب ثقافية متنوعة، من الأعياد الماليزية إلى المواسم الصينية التقليدية، مما عزّز قناعتي بأن التصميم هو الوسيط الأمثل للحوار بين الثقافات. وبوصفي باحثة متعددة اللغات، أدّيت دور "الجسر" في التعاون الدولي، وساهمت في تيسير التفاهم الثقافي ومواءمة أساليب التعبير، ما عمّق إدراكي لمفهوم "الترجمة الثقافية"؛ إذ إن نقل الثقافة عبر التصميم هو ترجمة دقيقة للجوهر الروحي، لا مجرد تجميع لعناصر شكلية.


02: كسر القيود والمضي قدمًا
النمو الأكاديمي في صقل البحث العلمي

لم يكن طريق البحث الأكاديمي خاليًا من التحديات، إذ واجهتُ عقبات متعددة، من بينها: دقة استخلاص العناصر الحِرفية رقميًا في سياقات ثقافية مختلفة، وصعوبة بناء إطار نظري يوفّق بين التقليد والحداثة، إضافة إلى تحديات دمج المعرفة البينية بين التصميم والتقنيات الرقمية. وأمام هذه الإشكاليات، طوّرت عادة التأمل الهادئ في المختبر، واستلهام الأفكار من كمٍّ واسع من المراجع الصينية والإنجليزية، إلى جانب المبادرة بمناقشة الإشكالات النظرية مع المشرفين وتبادل الآراء التقنية مع الزملاء. وقد جعلتني هذه التجربة أدرك بعمق أن النمو الأكاديمي يشبه النحت الدقيق في الحِرف التقليدية؛ فهو يتطلب إحكام التفاصيل، ويحتاج إلى تراكم زمني طويل وجهد متواصل، كما صقل لديّ روح المثابرة والصلابة.


03: ثبات البوصلة
الممارسة الراسخة لمسؤولية الإرث الثقافي

عند استرجاع سنواتي في جامعة دونغهوا، أجد أن المنصات البحثية الوطنية التي وفّرتها الجامعة قدّمت دعمًا تقنيًا متقدمًا، وأسهم توجيه الأساتذة في ترسيخ منهج أكاديمي صارم وعملي، بينما وسّعت الحوارات الفكرية مع الباحثين من مختلف أنحاء العالم آفاقي البحثية. ليالي البحث في المكتبة، وصباحات ضبط المعايير في المختبر، ولحظات تبادل الخبرات في المؤتمرات الدولية، جميعها شكّلت ملامحي كباحثة عابرة للثقافات، ووضحت أمامي معالم رسالتي الأكاديمية.
وفي نظرتي إلى المستقبل، سأواصل التعمّق في مجال التصميم الابتكاري للتراث الثقافي، سعيًا إلى بناء جسور مزدوجة تربط بين الحِرف التقليدية والحياة المعاصرة، وبين التعدد الثقافي والتواصل الدولي. وأؤمن إيمانًا راسخًا بأن كل ذاكرة ثقافية تستحق الحفظ والتأويل، وأن كل حكمة تقليدية قادرة على أن تجد حياة جديدة في العصر الحديث. وفي خضم موجات العولمة، فإن نقل الإرث الحِرفي المتعدد عبر التصميم المبتكر، وتعزيز التفاعل الإيجابي بين الأرواح الثقافية المختلفة، هو جوهر رسالتي كباحثة عابرة للثقافات، وهو في الوقت ذاته شرف ومسؤولية.

المصدر: مركز التعليم الدولي بجامعة دونغهوا
